ابن أبي الحديد
119
شرح نهج البلاغة
موبق مهلك ، وفي الخبر الصحيح المتفق عليه أنه لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق ، وحسبك بهذا الخبر ، ففيه وحده كفاية . [ فصل في ذكر الغلاة من الشيعة والنصيرية وغيرهم ] فأما الغلاة فيه فهالكون كما هلك الغلاة في عيسى عليه السلام . وقد روى المحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له عليه السلام : " فيك مثل من عيسى بن مريم ، أبغضته اليهود فبهتت أمه ، وأحبته النصارى فرفعته فوق قدره " ، وقد كان أمير المؤمنين عثر على قوم من أصحابه خرجوا من حد محبته باستحواذ الشيطان عليهم إ أن كفروا بربهم ، وجحدوا ما جاء به نبيهم ، فاتخذوه ربا وادعوه إلها ، وقالوا له : أنت خالقنا ورازقنا ، فاستتابهم ، واستأنى وتوعدهم ، فأقاموا على قولهم ، فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها ، طمعا في رجوعهم ، فأبوا فحرقهم ، وقال : ألا تروني قد حفرت حفرا ( 1 ) * إني إذا رأيت أمرا منكرا * أوقدت ناري ودعوت قنبرا * وروى أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي ، عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي ، المعروف بنوين وروى أيضا عن علي بن محمد النوفلي عن مشيخته ، أن عليا عليه السلام مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا ، فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : لا ولا واحدة منهما ، قال : فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية ؟ قالوا : لا ، قال : فما بال الاكل في نهار رمضان ؟ فقاموا إليه ، فقالوا : أنت أنت ! يومون إلى ربوبيته ، فنزل عليه السلام عن فرسه ، فألصق خده بالأرض ، وقال : ويلكم ! إنما عبد من عبيد الله ، فاتقوا الله وارجعوا إلى الاسلام . فأبوا فدعاهم مرارا ، فأقاموا على كفرهم فنهض إليهم ، وقال شدوهم وثاقا وعلى بالفعلة والنار والحطب ثم أمر بحفر بئرين
--> ( 1 ) الحفر : البئر الواسعة .